الشيخ محمد حسين الحائري
377
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
في الان المتأخر فلا يثبت فيه لعدم دليل عليه وأجيب تارة بالنقض باستصحاب حكم غير الاجماع لان ما دل على ثبوت الحكم في الان السابق إن دل عليه في الان اللاحق فهو الدليل عليه دون الاستصحاب وإلا فلا يثبت الحكم لعدم دليل عليه وأخرى بالحل وهو أن عدم قيام الدليل الدال على ثبوت الحكم في الزمن السابق على ثبوته في الزمن اللاحق لا ينافي ثبوته فيه بدليل آخر وهو أدلة الاستصحاب القاضية بالبقاء والاستمرار وبقية الأقوال مع شذوذها غير واضحة المستند ثم هاهنا فوائد الأولى الشك في عروض القادح وقدح العارض كما يتحقق في الاستصحاب كذلك يتحقق بالنسبة إلى أصل البراءة وأصل الإباحة والكل حجة في المقامين لكن حجيتها في المقام الأول ثابتة في حق المجتهد والمقلد مع العجز عن استكشاف الحال وبدونه ما لم يرجع إلى الأدلة كالشك في ورود الناسخ ووقوع التخصيص أو التقييد فيرجع إلى القسم الآتي وأما حجيتها في المقام الثاني فمقصورة على المجتهد ومن في حكمه ممن تعذر عليه الرجوع إلى المجتهد ومشروطة بالفحص عن المعارض وعدم مصادفته وبالجملة فحكمها كحكم سائر الأدلة التفصيلية فكما لا يجوز لغير المجتهد العمل برواية أو آية يصادفها مطلقا ولا له مع عدم الفحص عن المعارض كذلك لا يجوز لغير المجتهد العمل بالأصول المذكورة في مقام الشك في قدح العارض مطلقا ولا له مع عدم الفحص عن المعارض ولو جعلنا حجيتها بالنسبة إلى ذلك أيضا مطلقا لما وجب على العوام الرجوع إلى العلماء ولا على العلماء الرجوع إلى الأدلة وذلك يؤدي إلى انهدام أساس الشريعة واضمحلال الاحكام بالكلية والمعتبر من الفحص هنا ما يعتبر منه في سائر الأدلة ومنه تعيين ماهية القادح مع إمكانه حيث يتحقق القادح فلو علم أن الغناء حرام وشك في تعيين ماهيتها مع التمكن منه لم يكن له التمسك في حلية كل صوت يحتمل عنده أن يكون منها بأصل الإباحة وكذا لو علم بنجاسة حيوان يسمى كلبا وشك في كونه الأرنب أو الثعلب أو غيرهما مثلا لم يكن له التمسك بأصالة طهارتهما أو طهارة ما لاقاهما أو لاقى أحدهما برطوبة ما لم يتعذر عليه طريق التعيين نعم لو لاقاه أحدهما وشك في تعيين الملاقي منهما بأصالة الطهارة سواء تمكن من تعيينه أو لا إذ ليس لتعيين المسمى حينئذ مدخل في حكم الملاقى إلى غير ذلك فإن قلت لا منافاة بين حجية هذه الأصول على تقدير ترك الفحص وبين الاثم بتركه لتغاير الموضوعين فيثبت فيما مر الحل والطهارة ما دام جاهلا بالمعارض وإن أثم بترك الفحص عنه قلت ليس الوجه فيما ذكرناه لزوم المنافاة بل عدم مساعدة الأدلة على حجيتها حينئذ فإن الظاهر من قولهم بوجوب الفحص عدم ثبوت حكم الواقعة قبله وهذا إن لم يوجب تقييد إطلاق الاخبار أو تخصيص عمومها فلا أقل من إيجابه للشك في شمول المورد المبحوث عنه فيبقى الحكم بالبقاء فيه عريا عن الدليل وأيضا قد حققنا في محله عدم حجية الأدلة السمعية الظنية إلا بعد الفحص عن المعارض والاستصحاب ليس بأقوى منها الثانية كما يثبت بالاستصحاب بقاء مورده كذلك يثبت به لوازمه الشرعية التي يترتب عليه من غير توسط أمور عادية وإن كان ترتبها مخالفا للاستصحاب والمراد بالترتب ما يتناول ترتب المشروط على الشرط كترتب صحة الصوم على استصحاب عدم الجنابة وترتب المسبب على السبب كترتب وجوب الانفاق على استصحاب الزوجية واحترزنا بذلك عن الاحكام الغير المترتبة على الامر المستصحب فإنها لا تثبت باستصحابه وإن كانت من لوازمه الشرعية كطهارة الملاقي لاحد المشتبهين فإنها وإن استلزمت شرعا طهارة ما لاقاه منهما لكنها ليست من أحكامها المترتبة عليها فلا يثبت باستصحابها وكاستصحاب جواز الجواز في المسجدين والمكث في المساجد وقراءة العزائم لمن علم بوقوع حدث منه وشك في كونه الأصغر أو الأكبر فإن الأحكام المذكورة وإن استلزمت عدم الجنابة شرعا إلا أنه ليس من أحكامها المترتبة عليها فلا يثبت باستصحابها ولهذا يحكم عليه بوجوب الجمع بين الطهارتين وكذا الكلام في ثبوت تلك الأحكام بأصل البراءة في حق من علم بسبب الجنابة والغسل وشك في المتأخر منهما فإنه لا يثبت به عدم الجنابة ولهذا نحكم بوجوب الغسل عليه وبالجملة فالذي يثبت بالاستصحاب على ما يستفاد من أخبار الباب بقاء مورده وحدوث ما يترتب عليه أولا من أحكامه الشرعية فيثبت باستصحاب الطهارة بقاؤها فيترتب عليه صحة الصلاة المأتي بها معها وحصول البراءة بها وباستصحاب الكرية بقاؤها ويترتب عليه طهارة ما يرد عليه من المتنجس وكذا يترتب على استصحاب نجاسة متنجس نجاسة ملاقيه برطوبة وعلى استصحاب ملكية ما أعطاه براءة ذمته وصحة ما عقد عليه إلى غير ذلك فإن هذه الأمور وإن كانت حادثة ومقتضى الاستصحاب عدمها وقضية ذلك تعارض الاستصحابين إلا أن المستفاد من الأخبار الواردة في المقام ثبوت تلك الأمور بالاستصحاب ألا ترى أن قوله عليه السلام في صحيحة زرارة السابقة ولا تنقض اليقين بالشك بعد قوله فإنه على يقين من وضوئه يعطي البناء على يقينه السابق وإثبات ما يترتب عليه من أحكامه الشرعية كصحة الصلاة إذا أتى بها وبراءة ذمته منها في مسألة الشك في بقاء الطهارة كما هو مورد الرواية وإن كانت مخالفة للاستصحاب وكذا الكلام في بواقي الاخبار وهذا واضح جدا وبه يتضح الوجه فيما يظهر من بعض المحققين من تحكيم الاستصحاب الوارد على الاستصحاب المورد عليه وربما تردد بعض أفاضل العصر في بعض فروع المسألة كتنجيس مستصحب النجاسة لملاقيه بل حكم فيه بعدم